ملا محمد مهدي النراقي

204

جامع السعادات

تنبيه إعلم أن النعم الأخروية ، التي هي الغايات المطلوبة لذواتها ، وتفاصيلها وأسبابها وما يتوقف وجودها عليه ، إلى أن ينتهي إلى مسبب الأسباب ، مما لا يمكن دركها ، والعقول البشرية قاصرة عن درك قليلها فضلا عن كثيرها . وأما الوسائل الأربعة من النعم التي انقسم كل منها أيضا إلى أربعة أقسام ، وصار مجموعها ستة عشر قسما ، فيستدعي كل قسم من الستة عشر أسبابا ، وتلك الأسباب أسبابا ، حتى تنتهي بالآخرة إلى مسبب الأسباب وموجود الكل . والمتفكر يعلم ، أن كلا منها يتوقف على نعم وأسباب أخرى متسلسلة خارجة عن حد الاحصاء . فإن نعمة الصحة التي من النعم الواقعة في المرتبة المتأخرة تتوقف على أسباب ونعم من جملتها نعمة الأكل ، فإن إحصاءها وإن لم يكن ممكنا ، إلا أنا نشير إلى بعضها على سبيل التلويح دون الاستقصاء ، لتقاس عليها البواقي . فنقول : نعمة الأكل تتوقف على إدراك الغذاء وأسبابه ، وعلى شهوة الطعام وميله وإرادته وأسبابه ، وعلى القدرة إلى تحصيله وأسبابه ، وعلى وجود أصل الغذاء المأكول وتكونه ، وعلى إصلاحه بعد وجوده وتكونه ، وعلى الأسباب الموصلة له إلى كل إنسان أو كان بعيدا عنه ، وعلى أسباب الطحن والجذب والهضم والدفع وسائر الأفعال الباطنة إلى أن يصير جزء للبدن ، وعلى الملائكة الموكلين على فعل من الأفعال المذكورة . فها هي نذكرها إجمالا وتلويحا في فصول : فصل الأكل الأكل يتوقف أولا على إدراك الغذاء المأكول رؤية ولمسا واستشماما وذوقا ، إذ ما لم يبصره لم يمكنه تمييزه وطلبه ، وما لم يلامسه لم يتمكن من درك بعض أوصافه اللازمة في الأكل ، وما لم يشمه لم يتشخص ما يكرهه رائحته عما تطيب رائحته ، وربما توقف تحصيله على استشمام رائحته من بعد ، لا سيما لبعض الحيوانات ، وما لم يذقه لم يدرك أنه موافق أو مخالف له ، وبذلك ظهر توقفه على خلق الحواس المدركة الظاهرة ، فخلقها الله